السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

72

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ تفريع على الأمر بالتولي عنهم فهو أمر بالتذكير بعد النهي عن الجدال معهم ، والمعنى : واستمرّ على التذكير والعظة فذكّر كما كنت تذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين بخلاف الاحتجاج والجدال مع أولئك الطاغين فإنه لا ينفعهم شيئا ولا يزيدهم إلا طغيانا وكفرا . قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فيه التفات من سياق التكلم بالغير إلى التكلم وحده لأن الأفعال المذكورة سابقا المنسوبة اليه تعالى كالخلق وإرسال الرسل وإنزال العذاب كل ذلك مما يقبل توسيط الوسائط كالملائكة وسائر الأسباب بخلاف الغرض من الخلق والإيجاد فإنه أمر يختص باللّه سبحانه لا يشاركه فيه أحد . وقوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ استثناء من النفي لا ريب في ظهوره في أن للخلقة غرضا وأن الغرض العبادة بمعنى كونهم عابدين للّه لا كونه معبودا فقد قال : ليعبدون ولم يقل : لا عبد أو لأكون معبودا لهم . على أن الغرض كيفما كان أمر يستكمل به صاحب الغرض ويرتفع به حاجته واللّه سبحانه لا نقص فيه ولا حاجة له حتى يستكمل به ويرتفع به حاجته ، ومن جهة أخرى الفعل الذي لا ينتهي إلى غرض لفاعله لغو سفهي ويستنتج منه أن له سبحانه في فعله غرضا هو ذاته لا غرض خارج منه ، وأن لفعله غرضا يعود إلى نفس الفعل « 1 » وهو كمال للفعل لا لفاعله ، فالعبادة غرض لخلقة الإنسان وكمال عائد اليه هي وما يتبعها من الآثار كالرحمة والمغفرة وغير ذلك ، ولو كان للعبادة غرض كالمعرفة الحاصلة بها والخلوص للّه كان هو الغرض الأقصى والعبادة غرضا متوسطا .

--> ( 1 ) . فاللّه تعالى خلق الانسان ليثيبه والثواب عائد إلى الانسان وهو المنتفع به واللّه غني عنه ، وأما غرضه تعالى فهو ذاته المتعالية وإنما خلقه لأنه اللّه عز اسمه . منه .